الأبشيهي
652
المستطرف في كل فن مستظرف
غصصت به لذكرها ولا رأيت حسناً إلا سمج في عيني لحسنها فقال سليمان : أبا زيد كاد الجهل يستفزني والصبا يعاودني والحلم يعزب عني لشجو ما سمعت . اعلم يا أبا زيد أن تلك التي رأيتها هي الذلفاء التي قيل فيها : [ من المديد ] إنما الذلفاء ياقوتة * أخرجت من كيس دهقان شراؤها على أخي ألف ألف درهم وهي عاشقة لمن باعها والله إن مات ما يموت إلا بحبها ولا يدخل القبر إلا بغصتها وفي الصبر سلوة وفي توقع الموت نهيه قم أبا زيد في دعة الله تعالى ثم قال : يا غلام نفله ببدرة فأخذتها وانصرفت قال فلما أفضت الخلافة إليه صارت الذلفاء إليه فأمر بفسطاط فأخرج على دهناء الغوطة وضرب في روضة خضراء مونقة زهراء ذات حدائق بهجة تحتها أنواع الزهر ما بين أصفر فاقع وأحمر ساطع وأبيض ناصع وكان لسليمان مغن يقال له : سنان به يأنس وإليه يسكن فأمره أن يضرب فسطاطه بالقرب منه وكانت الذلفاء قد خرجت مع سليمان إلى ذلك المنتزه فلم يزل سنان يومه ذلك عند سليمان في أكمل سرور وأتم حبور إلى أن انصرف من الليل إلى فسطاطه فنزل به جماعة من إخوانه فقالوا له نريد قراً أصلحك الله قال : وما قراكم قالوا : أكل وشرب وسماع قال : أما الأكل والشرب فمباحان لكم وأما السماع فقد عرفتم شدة غيرة أمير المؤمنين ونهيه عنه إلا ما كان في مجلسه قالوا : لا حاجة لنا بطعامك وشرابك إن لم تسمعنا . قال : فاختاروا صوتاً واحداً أغنيكموه . قالوا : غننا صوت كذا فرفع صوته يغني بهذه الأبيات : [ من البسيط ] محجوبة سمعت صوتي فأرقها * من آخر الليل لما نبه السحر في ليلة البدر ما يدري مضاجعها * أوجهها عنده أبهى أم القمر لم يحجب الصوت أجراس ولا غلق * فدمعها لطروق الصوت منحدر لو مكنت لمشت نحوي على قدم * تكاد من لينها في المشي تنفطر قال فسمعت الذلفاء صوت سنان فخرجت إلى صحن الفسطاط تسمع فجعلت لا تسمع شيئاً من حسن خلق ولطافة قد إلا رأت ذلك كله في نفسها وهيئتها فحرك ذلك ساكناً من قلبها فهملت عيناها وعلا نحيبها فانتبه سليمان فلم يجدها معه فخرج إلى صحن الفسطاط فرآها على تلك الحال فقال : ما هذا يا ذلفاء فقال : [ من الطويل ] ألا رب صوت رائع من مشوه * قبيح المحيا واضع الأب والجد يروعك منه صوته ولعله * إلى أمة يعزى معاً وإلى عبد